ابراهيم بن عمر البقاعي
565
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان هذا حكما عدلا لا يفعله مع عدوه ووليه إلا حكيم ، قال مشيرا إلى مدحه ترغيبا فيه بميم الجمع إلى العموم : ذلِكُمْ أي الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة بعلو الرتبة عن كل سفه حُكْمُ اللَّهِ أي الملك الذي له صفات الكمال ، فلا ينبغي لشائبة نقص أن يلحقه . ولما كان هذا مما يفرح به ويغنم عند تقدير فواته ، قال مستأنفا مبشرا بإدامة تجديد أمثاله لهم : يَحْكُمُ أي اللّه أو حكمه على سبيل المبالغة ، ودل على استغراق الحكم لجميع ما يعرض بين العباد وأنه سبحانه لم يهمل شيئا منه بإعراء الجار من قوله : بَيْنَكُمْ أي في هذا الوقت وفي غيره على هذا المنهاج البديع ، وذلك لأجل الهدنة التي وقعت بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبينهم ، وأما قبل الحديبية فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يمسك النساء ولا يرد الصداق . ولما كان التقدير : فاللّه حكم عدل ، قال : وَاللَّهُ أي الذي له الإحاطة التامة عَلِيمٌ أي بالغ العلم لا يخفى عليه شيء حَكِيمٌ * أي فهو لتمام علمه يحكم كل أموره غاية الإحكام فلا يستطيع أحد نقض شيء منها . [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 11 إلى 13 ] وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 11 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) ولما كان المظنون بالكفار عدم العدل فلا يعطون المؤمنين مهور نسائهم الكافرات ، قال مداويا لذلك الداء : وَإِنْ فاتَكُمْ أي بالانفلات منكم بعد الهجرة أو بإدامة الإقامة في بلاد الحرب شَيْءٌ أي قل أو كثر مِنْ أَزْواجِكُمْ أي من أنفسهن أو مهورهن إِلَى أي متحيزا أو واصلا إلى الْكُفَّارِ فعجزتم عنه فَعاقَبْتُمْ أي تمكنتم من المعاقبة بأن فات الكفار شيء من أزواجهم بالهجرة إليكم أو اغتنمتم من أزواج الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلا عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم عصيانا وظلما فَآتُوا أي فأحضروا وأعطوا من مهر المهاجرة الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ أي منكم إن اختاروا الأخذ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا على